جامعة نصيبين


جامعة نصيبين (القسم الاول)

اشتهر السريان بمحبتهم للعلم والتعلم فكانوا الرواد في بناء المدارس فَكُتُبْ التاريخ دَونَتْ وحَفَظَتْ لنا اسماء المدارس السريانية والتي ما يزال نتاجها  الفكري والادبي عائشاً بيننا واوابدها تشهد لها الى هذا اليوم. وفي عُجالة نسرد اسماء بعض المدارس من القرن الرابع وحتى العاشر للميلاد وهي: مدرسة أنطاكية، ومدرسة الرها، ومدرسة نصيبين، ومدرسة دير زوقنين، ومدرسة قرتمين، ومدرسة دير قنسرين قرب مدينة جرابلس، ومدرسة دير العامود بالقرب من رأس العين في سورية، ومدرسة دير قرقفتا، بين رأس العين والحسكة، ومار حنانيا، وهو دير الزعفران، وفي مدينة ملاطية عدة مدارس: مدرسة دير مار برصوم، ومدرسة دير ايليا ابن جاجي، ومدرسة دير البارد، ومدرسة دير سرجيسيا.  ودير أوسيبونا القريب من قرية تل عادة، ودير تلعدا ويبعد بحدود (2 كم) عن دير أوسيبونا، ومدرسة دير الجب الخارجي ويقع بين حلب وسميساط، ومدرسة دير مار زكا قرب مدينة الرقة.

هذه كانت بعض مشاهير المدارس او الجامعات الفكرية المهمة ـ لانه الى جانب كل كنيسة كان يوجد مدرسة ـ  التي تركت أثراً كبيراً في بناء الحضارة وتثقيف الشعوب والأقوام التي عاشت في منطقتنا.

ويقول ايضا الكاتب والباحث أحمد أمين[1]: كان للسريان في بلاد ما بين النهرين نحو خمسين مدرسة تعلم فيها كافة العلوم باللغتين السريانية واليونانية وكانت هذه المدارس تتبعها مكتبات فيها الكثير من الكتب المترجمة في الدين والفلسفة والطب وجميع العلوم اليونانية ( أرسطو – جالينوس – ابقراط.

ويقول كاتب اخر، وهكذا اتسع نطاق الثقافة عند السريان حتى فاق عدد مؤلفيهم في العصر الذهبي (العصر العباسي) على أربعمائة كاتب ومؤلف وبلغت مؤلفات بعضهم ثلاثين أو أربعين كتاباً ولعل هناك مؤلفين وكتبة ضاعت أسماؤهم بضياع مؤلفاتهم بسبب الحروب والزلازل والفتن.

وموضوعنا اليوم هو عن مدرسة نصيبين التي أسسها المطران مار يعقوب النصيبيني (مطران المدينة) (+338 م)  واشتهرت اكثر عندما تولى ادارتها تلميذه مار افرام السرياني، وايضا من مشاهير اعلامها مار نرساي (+507 م) وباباي الكبير (+627 م) وحنانا الحديابي[2] ومار ابراهيم بيت ربان وغيرهما من الملافنة والعلماء. ومار نرساي  ومار برصوما هما اول من وضع قوانين ونظام داخلي للجامعة[3]، والذي جرت العادة ان يُتلى في بدء السنة الدراسة في الاجتماع العام.

كانت هذه المدرسة تحتضن الطلاب من كل الجنسيات وكانت في بدايتها دينية ولكنها توسعت في تعليم طلابها كل انواع العلم في ذلك الزمان ولم يكن فقط في اللغة السريانية لكن ايضا ادخلوا اللغة اليوناينة وقيل ان عدد طلابها بلغ 800 طالب كانوا يدرسون العلوم الدينية والفلسفية والتاريخية وعلوم الفلك والطب (الطلاب الذين كانوا يدرسون الطب والفلك لم يكن في مناهجهم مواد دينية، فقط يدرسون الاناجيل الاربعة). وكان للجامعة نظام فريد من نوعه وترتيب اداري مجلس ادارة من مدير ومعلمين ومُهجي ومقرئ وشُّراح. والشارح كان أهم مركز وعلى الاغلب  كانت هي وظيفة المدير.

جامعة نصيبين منذ تأسيسها الى نهاية عهدها كانت تحتضن وتتناوب فيها التيارات الفكرية والمذهبية والسياسية. فمن جهة موقعها الجغرافي كانت على الحدود بين امبراطريتين الفارسية والبيزنطية، والعداء بينهما كان يرمي بظلاله على ادارة الجامعة، فكانت المناوشات الحربية تؤثر سلبا على ادائها، وايضا كل دولة كانت تريد ان تفرض سياستها عليها.

هذا بالاضافة الى الخلافات الفكرية والفلسفية التي وَلّدتْ خلافات مذهبية حول استعمال الالفاظ المناسبة لطبيعة المسيح فكان هناك جدل لاهوتي كبير في ادارة ومعلمي صفوف الجامعة وحتى بين الطلاب.

والخلاف بين منهجي مدرسة انطاكية المادية ومدرسة الاسكندرية الرمزية هذا ايضا كان مثار خلاف في وجهات النظر بين المعلمين فيما بينهم وبين الطلبة ايضا. هذه الخلافات الفكرية والجدالات كانت تثار في الجامعة في كل مستوياتها ولكن لم تؤدي الى انشقاق او انقسام لانها كانت منفتحة على الكل وايضا كان فيها نظام من اعلى الهرم الى اسفله. وكما اسلفنا كان مجلس اداري يدير الجامعة يتالف من المدير والمعلمين وممثلين عن الطلبة. وايضا كانت عقوبة مُثيري الفتنة صارمه تصل الى حد الطرد من الجامعة وحتى من المدينة ايضا، وهنا نرى سلطة المدير لم تكن في الجامعة فقط بل كانت تطال المدينة ايضا[4]

وفي عهد ابراهيم (بيت ربان) الذي استمر ستون عاماً، بلغ عدد افراد الجامعة حوالي  1000 شخص بين معلمين وطلاب. ولان الطلاب كانوا يسكنون احياء المدينة، فقام ابراهيم ببناء ثمانين صومعة وزعها على ثلاث باحات واقام فيها حمامين الاول للطلاب والثاني للمواطنين وبنى ايضا مشفى خاص لطلاب الجامعة  وكان شخصيا يشرف على مرضاه والاطمئنان عليهم، وبدعم من البلاط الفارسي تَمَلّكَ قرية زراعية، فكان من ريع القرية ومن ريع حمام المواطنين يصرف على الجامعة والمشفى، وقد احبه طلاب الجامعة وايضا سكان المدينة ليس المؤمنين فقط بل الوثنيين واليهود ايضا[5]

وكان يوجد ايضا ديوان خاص لادارة الاوراق، ولحسن اداء الكتبة بنى لهم  بناء خاص ليتسنى لهم نسخ المخطوطات وحفظها، وكانت القوانين صارمة في اعارة الكتب واسترجاعها وحُسن حفظها وتخزينها.

اوقات الدوام

اضافة للتعلم في الجامعة كانت الادراة توجه الى اهمية تعلم صنعة او حرفة اي الدخول في الحياة العملية وخاصة في فصل الصيف الذي كان اجازة، فكان الطلاب اما ان يعملون في الزراعة او ممارسة الاعمال من نجارة او حدادة او غيرها من المهن التي كانت في ذلك الزمان، وكان ممنوع على الطلاب ممارسة اعمال تسئ الى سمعة الطلبة والجامعة، ولم يكن يسمح للطلاب التعامل بالربى او ان يوظفوا اموالهم تجارياً لغرض الفائدة الا بنسبة لا تتجاوز 1/100 [6]

كانت مرحلة التعليم تتالف من ثلاث سنوات وكان العام الدراسي يتكون من فصلين تفصل بينهما عطلة معينة، كان الدارسون يستفيدون من هذه العطلة للممارسة اعمالهم المعيشية. وفي بدء كل سنة دراسية على الطلاب الذين يتقدمون للقبول في الجامعة ان ينالون الموافقة من الاجتماع العام (لجنة من الاساتذه والاداريين والطلبة) وان يتعهدوا بالالتزام المطلق بقوانين الجامعة ونظامها الداخلي، وافهامهم ما هو حقهم وما هي واجباتهم، ليشعروا بانهم جزء من الجامعة، ثم يؤخذون الى مسؤول الإيعاشه ثم الى الحجرة (مهجع ) التي سيقيمون فيها مع بقية الزملاء. وكان يُعين عريف أو رئيس للحجرة لضمان تطبيق النظام ولم يُعطى غرفة لشخص واحد او يُسمح له ان يقيم في المدينة، وان يتنالوا الطعام معاً وكان هناك تنبيهات بعدم تناول الطعام في المطاعم العامة او اقامة حفلات في الحدائق والاماكن العامة.

واذا مرض احد الطلاب كان زملائه في المهجع يتناوبون فيما بينهم على الاهتمام به، والهدف من ذلك ان يكونون بروح واحدة (عائلة) ولم يكن مسموحاً طلب المساعدة المادية من اهالي المدينة (استجداء ، دين) لان المدرسة كانت تتكفل بمصاريف الذين لايستطيعون دفع مستحقات الدراسة. ويجب ان يكون لباسهم نظيف متواضع بعيد عن الترف ومحتشم، وحلاقة الشعر بسيطة متشابه اذ لم يكن مسموح اطالة الشعر او حلقه نهائي (زيرو)، بحيث كان ممكن ان يميزوا عن غيرهم اذا ما وجدوا خارج الجامعة.

وكانت هناك لوائح قواعد وتوصيات لضبط سلوك الطلاب فخطيئة الزنا كانت تستوجب الطرد من المدرسة وحتى من المدينة، والكسل ايضا اعتبروه ام العيوب وكانت عقوبته شديدة اذ لم يكن يتساهل ابدا مع عدم كتابة الدروس اوالمشاركة في القراءات العامة او عدم تحضير الوظائف المطلوبة من الاساتذه.

وكانت تعتبر جنحة اذا ما حاول طالب ازلة اسم مؤلف كتاب (متوفي) ووضع اسمه بدلا عنه. كما وضعت ضوابط في حال العثور على اشياء فكانت تسلم الى الادارة ويُعلن عنها في الاجتماع الصباحي، ليتسنى لصاحبها استردادها. وكان يوجد في النظام الداخلي مواد تحظر العبادة الوثنية والتخلص منها وكانت ممارسة السحر وغيره من اعمال الشعوذه ممنوعة لا بل يعاقب عليها بشدة.

وكانت هناك عقوبات للالفاظ الدنيئة اوالشتم او الضرب.  فبعد ان تثبت الحالة بادلة وشهود كانت العقوبة ان يُضرب المعتدي امام الجميع في الاجتماع الصباحي واحياناً اكثر من مرة ـ حسب الخطيئة ـ

الخمول والتلاشي:

في نهاية القرن السادس (596 م ) بدأت الجامعة تتراجع عندما تسلم رئاستها حنانا الحديابي اذ احدث تغيير في اسلوب الادارة ومنها تبديل منهاج المدرسة اذ ترك تعليم وتفاسير ثيودوروس المصيصي وتبع اراء يوحنا الذهبي الفم، مما احدث ضجة كبيرة اسفرت عن ان يغادر حوالي 300 طالب الجامعة. وعند دخول الاحتلال العربي لتلك البلاد بقيادة عياض ابن غنم سنة 640 وما حدث من تغييرات في مختلف الاصعيدة، فضعفت الجامعة وتراجعت وتناقص عدد الطلاب والاساتذه واستولى عليها الخمول. اما مكتبتها وما كانت تضم من مئات المخطوطات والكتب فقد اصبحت مأكل لنيران المغول في القرن الثاني عشر[7]. واصبحت اطلال بعد ان كانت تسمى (ام العلوم) او (ام الملافنة) و (مدينة المعارف)  

في نظرة عامة على تاريخ هذه الجامعة نلاحظ عدة امور :

1ـ رغم انها كانت تابعة للكنيسة ومؤسسها كان مطران المدينة الا ان علومها لم تبقى دينية فقط بل توسعت حتى شملت مُعظم العلوم في تلك الفترة: تاريخ، ادب، طب، قانون، خطابة،  فلك وفلسفة ولم تبقى لغتها سريانية فقط إنما ادخلت اليوناينة ايضاً بادابها وعلومها لتُدَرَس في الجامعة. لذلك تركت اثراً في الاجيال اللاحقة تاريخيا وجغرافيا  وليس عند ابناء  جلدتها فقط إنما بلغ الفرس والبزنطيين والعرب. والى يومنا هذا نقرء نتاج هؤلاء الكتاب والادباء والعلماء فكتبهم  ومؤلفاتهم مازالت تشهد لهم.

2ـ ان كثرة القوانين ودقة النظام الداخلي للجامعة ناجم عن حكمة الاباء والاداريين ومحبتهم للعلم وترفعهم عن الخلافات المذهبية والفكرية التي كانت متداولة في ذلك الزمان فاختلاف راي الادراة من فترة الى اخرى لم يؤدي الى انقسام الجامعة بل بقي خطها موحد تحتضن كل التيارات الفكرية، محافظة على رسالتها التعليمية والتنويرية.

3ـ النهج الحيادي في التعاطي مع الامور الفكرية والترفع عن الخلافات المذهبية والفلسفية وتقبل الاخر رغم اختلافه، فكان الطلاب يتوجهون اليها من كل اطياف والوان المجتمع والقوميات الاخرى.

4ـ الاستمرار الزمني الطويل جعلهم يستفيدون من الاخطاء التي كانت تحصل في الحياة اليومية فيتم تلافيها سنة بعد اخرى، فالقانون كان هو السائد والنظام الداخلي كان يُغطي اذ لم نقل كل الثغرات فمعظمها.

5ـ نحن نبعد تاريخياً قرابة 1400 سنة عن توقف الجامعة عن التعليم، وجغرافياً الاف الكيلومترات عنها، الا اننا ما زلنا نلمس الاثر الادبي والتعليمي في جيلنا هذا وفي اماكن عديدة في كل العالم وقد تُرجم النيتاج الادبي (ما نجا من المحرقة) الى لغات عالمية عديدة، واليوم يوجد جامعات عالمية تدرس اثار اول جامعة في الشرق التي حملت مشعل التنوير في جيلها والى اجيال لاحقة.

6ـ عندما نستذكر هذه الجامعة وغيرها من تاريخ واثار اباؤنا وماثرهم الفكرية والعلمية نشعر بالخجل من انفسنا ؟ فاين نحن منهم ؟ واين واقع الشرق اليوم من غده ؟.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

المراجع

1ـ ثقافة السريان في العصور الوسطى للكاتبة نينا بيغولفسكايا

2ـ كتاب عصر السريان الذهبي لفيكونت فيليب دي طرازي

3ـ ضحى الاسلام لاحمد امين.

4ـ موقع المعرفة: marefa.org     jul 202510


[1] ـ ضحى الاسلام . جزء 2 ص59ـ60

[2] ـ كان خامس مديري جامعة نصيبين ,نينا بيغولفسكايا ـ  ثقافة السريان في العصور الوسطى.ترجمة د.خلف جراد  ص 123

[3] ـ نينا بيغولفسكايا ـ  ثقافة السريان في العصور الوسطى.ترجمة د.خلف جراد  ص 99

[4] ـ نينا بيغولفسكايا ـ  ثقافة السريان في العصور الوسطى.ترجمة د.خلف جراد  ص127

[5] ـ نينا بيغولفسكايا ـ  ثقافة السريان في العصور الوسطى.ترجمة د.خلف جراد  ص 101

[6] ـ نينا بيغولفسكايا ـ  ثقافة السريان في العصور الوسطى.ترجمة د.خلف جراد  ص 123

[7] ـ مقالة في موقع المعرفة marefa.org     jul 202510

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *