الغياب الذي لم ينتَهِ…وَالمصير الذي لا يزال لُغزًا


الغياب الذي لم ينتَهِ…وَالمصير الذي لا يزال لُغزًا

في عصر تعجّ فيه الأخبار بالصراعات والدمار، وبينما كانت نيران الحرب السورية تزداد اشتعالًا، وبين ركام المدن القديمة والمآذن والكنائس الصامتة، هناك قصص تختفي في زوايا النسيان رغم أنها تحمل في طياتها وجع أمة بأكملها، إحدى هذه القصص، هي قصة اختفاء المطران يوحنا إبراهيم، الذي كان صوته نبراسًا في ظلمة الحرب، ورمزًا للتسامح في زمن الانقسام.

في مساء غامض من شهر نيسان عام 2013، اختفى صوتٌ كان يُمثل ضمير الشرق المسيحي بطريقة درامية وغامضة إنه المطران يوحنا إبراهيم، مطران حلب للسريان الأرثوذكس الذي خُطِف مع نظيره المطران بولس يازجي مطران حلب للروم الأرثوذكس، وكانت مهمتهما تهدف إلى التفاوض للإفراج عن كاهن مختطف، لكن النهاية كانت مأساوية وغامضة، وتم اختطافهما على طريق خافت بين حلب والحدود التركية، ولم يظهر لهما أثر منذ ذلك الحين.

انطلق المطرانان في سيارتهما، وكانا في مهمة إنسانية للتفاوض على إطلاق سراح كاهن مُختطف، حين اعترضتهم مجموعة مسلحة – وفقًا للروايات – تم إطلاق النار على السائق فقُتِل على الفور، واقتاد المسلحون المطرانيين إلى جهة مجهولة. ولم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية رغم كثرة التكهنات بوجود مجموعات متطرفة في تلك المنطقة التي كانت آنذاك خارج سيطرة الدولة.

لم تكن عملية اختطاف عادية، بل كانت صدمةً على مجتمعٍ بأكمله، ودقّت ناقوس الخطر عن المصير المجهول للسلام والتسامح في أرضٍ كانت مهدًا للأديان.

وُلد في 18 آب 1948 في القامشلي (نصيبين الجديدة)، وبدأ دراسته الأولى في مدرسة الحرية الابتدائية للسريان الأرثوذكس، وتابع دراسته في ثانوية النهضة السريانية، وحصل على الدكتوراه عام 1987 من جامعة برمنغهام – انجلترا، بعنوان “القبائل العربية النصرانية في بلاد ما بين النهرين قبل الإسلام”.

وخلال الأزمة السورية التي بدأت عام 2011، لعب نيافته دورًا مهماً مجتمعيًا وإنسانيًا، وساهم في إطلاق سراح بعض المختطفين والمأسورين، حتى وقع هو نفسه ضحية للأسر في 22 نيسان 2013.

والمطران يوحنا إبراهيم، المعروف بفكره التنويري وجهوده الجبارة في الحوار بين الأديان، كان شخصيةً مسكونية فريدة، جمعت بين الروحانية العميقة والانفتاح الفكري، ولم يكن مجرد مطران على حلب وتوابعها، بل كان جسرًا بين المختلفين، وصوتًا هادئًا في وسط العاصفة.

وعلى الرغم من مرور اثنتي عشرة سنة الحادثة المشؤومة، ما زالت الأسئلة مفتوحة، والقلوب مشتعلة، والعدالة مؤجلة، ولم تُعلن أية جهة مسؤوليتها عنها بشكل قاطع، ولم تُفلح النداءات الدولية في كشف مصيره حتى الآن، فهل مات؟ أم هل هو حي في ظلال الأسر؟ أم أن الحقيقة طُمست عمدًا خوفًا من صوتٍ كان أقوى من الرصاص؟

أدانت كنائس الشرق الأوسط حادثة الاختطاف، ووجهت نداءات متكررة للمجتمع الدولي للتدخل والكشف عن مصير المطرانيين، كما صدرت عدة بيانات من الفاتيكان والأمم المتحدة وعدد من منظمات حقوق الإنسان، تدعو إلى كشف الحقيقة لكن دون جدوى، صمت دولي مريب رافق القضية.

اليوم لم تعد قصة الاختطاف مجرد خبر في أرشيف الصحف، بل رمزًا لمعاناة مستمرة وجريمة بحق العمل الإنساني، ولهذا أطالب بإعادة فتح الملف، لا من أجل الماضي فقط، بل من أجل مستقبل لا يُختطف فيه صوت العقل من جديد، ولعل في هذا النداء صحوة ضمير تأخرت كثيرًا، ولكنها إن جاءت فلن تكون عبثًا.

 

 

 

 

أهدي هذه القصيدة لنيافته باللغة العربية

 

أين أنت يا وجه السلام؟   

 

يا صوت حب لا يُلام

يا من حملت النور دربًا    

 

وسط ليل فيه ظلام

غِبت ولم تغب الحكاية 

 

سكنت في نبض الرعاية

أيقونة في قلب شعب

 

يسأل الله ما النهاية

أين أنت يا وجه السلام؟  

 

يا صوت حب لا يُلام

حلب المفجوعة   

 

مدينة الأوجاع

في كل زاوية قصة ضياع

 

مطران حبيس والقلب كسير

والأرض تُنادي أين النصير؟

 

صمت المآذن وبُكاء الكنائس 

حزن عميق يلف النفوس

 

يا رب العباد يا سامع الدعاء 

أعد لنا شيخنا

 

وأضئ لنا سماءنا

أين أنت يا وجه السلام؟  

 

يا صوت حب لا يُلام

 

أهدي هذه القصيدة لنيافته باللغة السريانية

 

ܡܫܰܕܪܳܐ ܐ̱ܢܳܐ ܗܳܢܳܐ ܡܺܐܡܪܳܐ 

 

ܡܶܢ ܐܰܬܼܪܳܐ ܕܡܶܨܪ̈ܶܝܢ ܛܳܒܼܬܼܳܐ

ܠܚܰܣܝܳܐ ܚܰܢܰܐ ܕܗܽܘ ܚܛܺܝܦܳܐ 

 

ܒܙܰܒܢܳܐ ܕܣܰܝܦܳܐ ܘܰܚܛܺܝܬܳܐ

ܡܶܢ ܪܰܕܳܝܬܶܗ ܒܣܽܘܪܺܝܰܐ

 

ܒܪܰܡܫܳܐ ܚܰܕܼ ܒܝܰܪܚܳܐ ܕܢܺܝܣܳܢ

ܟܳܗܢܳܐ ܪܚܺܝܡܳܐ ܘܡܰܠܦܳܢܳܐ  

 

ܒܥܺܕܬܶܗ ܣܰܓܺܝ ܡܫܰܒܠܳܢܳܐ

ܐܰܒܳܐ ܙܰܗܝܳܐ ܡܝܰܩܪܳܢܳܐ

 

ܠܥܰܡܳܐ ܕܺܝܠܶܗ ܡܫܰܡܫܳܢܳܐ

ܒܽܐܘܪܚܳܐ ܕܡܳܪܝܳܐ ܡܗܰܠܟܼܳܢܳܐ

 

ܘܰܠܨܰܠܘ̈ܳܬܼܳܐ ܡܩܺܝܡܳܢܳܐ

ܫܰܡܶܫ ܐܽܘܡܬܼܳܐ ܘܬܰܘܕܺܝܬܼܳܐ

 

ܒܥܰܡ̈ܠܶܐ ܛܥܺܝ̈ܡܶܐ ܘܛܳܒ̈ܳܬܼܳܐ

ܘܰܒܫܽܘܠܳܡܳܐ ܒܳܥܽܘܬܼܳܐ  

 

ܡܶܛܽܠ ܕܢܶܗܦܽܘܟܼ ܒܰܫܠܳܡܳܐ

 

بقلم  د/ هند فتحي

دكتور اللغة السريانية وآدابها . مصر

13/4/2025

ܒܝܰܕܼ ܕ. ܗܶܢܕ ܦܰܬܚܺܝ

ܕܶܘܟܬܶܘܪܰܐ ܕܠܶܫܳܢܳܐ ܣܽܘܪܝܳܝܳܐ ܘܡܰܪܕܽܘܬ̣ܶܗ. ܡܶܨܪ̈ܶܝܢ ܝܓ . ܕ . ܒܟܗ

الغياب الذي لم ينتَهِ…وَالمصير الذي لا يزال لُغزًا

في عصر تعجّ فيه الأخبار بالصراعات والدمار، وبينما كانت نيران الحرب السورية تزداد اشتعالًا، وبين ركام المدن القديمة والمآذن والكنائس الصامتة، هناك قصص تختفي في زوايا النسيان رغم أنها تحمل في طياتها وجع أمة بأكملها، إحدى هذه القصص، هي قصة اختفاء المطران يوحنا إبراهيم، الذي كان صوته نبراسًا في ظلمة الحرب، ورمزًا للتسامح في زمن الانقسام.

في مساء غامض من شهر نيسان عام 2013، اختفى صوتٌ كان يُمثل ضمير الشرق المسيحي بطريقة درامية وغامضة إنه المطران يوحنا إبراهيم، مطران حلب للسريان الأرثوذكس الذي خُطِف مع نظيره المطران بولس يازجي مطران حلب للروم الأرثوذكس، وكانت مهمتهما تهدف إلى التفاوض للإفراج عن كاهن مختطف، لكن النهاية كانت مأساوية وغامضة، وتم اختطافهما على طريق خافت بين حلب والحدود التركية، ولم يظهر لهما أثر منذ ذلك الحين.

انطلق المطرانان في سيارتهما، وكانا في مهمة إنسانية للتفاوض على إطلاق سراح كاهن مُختطف، حين اعترضتهم مجموعة مسلحة – وفقًا للروايات – تم إطلاق النار على السائق فقُتِل على الفور، واقتاد المسلحون المطرانيين إلى جهة مجهولة. ولم تُعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية رغم كثرة التكهنات بوجود مجموعات متطرفة في تلك المنطقة التي كانت آنذاك خارج سيطرة الدولة.

لم تكن عملية اختطاف عادية، بل كانت صدمةً على مجتمعٍ بأكمله، ودقّت ناقوس الخطر عن المصير المجهول للسلام والتسامح في أرضٍ كانت مهدًا للأديان.

وُلد في 18 آب 1948 في القامشلي (نصيبين الجديدة)، وبدأ دراسته الأولى في مدرسة الحرية الابتدائية للسريان الأرثوذكس، وتابع دراسته في ثانوية النهضة السريانية، وحصل على الدكتوراه عام 1987 من جامعة برمنغهام – انجلترا، بعنوان “القبائل العربية النصرانية في بلاد ما بين النهرين قبل الإسلام”.

وخلال الأزمة السورية التي بدأت عام 2011، لعب نيافته دورًا مهماً مجتمعيًا وإنسانيًا، وساهم في إطلاق سراح بعض المختطفين والمأسورين، حتى وقع هو نفسه ضحية للأسر في 22 نيسان 2013.

والمطران يوحنا إبراهيم، المعروف بفكره التنويري وجهوده الجبارة في الحوار بين الأديان، كان شخصيةً مسكونية فريدة، جمعت بين الروحانية العميقة والانفتاح الفكري، ولم يكن مجرد مطران على حلب وتوابعها، بل كان جسرًا بين المختلفين، وصوتًا هادئًا في وسط العاصفة.

وعلى الرغم من مرور اثنتي عشرة سنة الحادثة المشؤومة، ما زالت الأسئلة مفتوحة، والقلوب مشتعلة، والعدالة مؤجلة، ولم تُعلن أية جهة مسؤوليتها عنها بشكل قاطع، ولم تُفلح النداءات الدولية في كشف مصيره حتى الآن، فهل مات؟ أم هل هو حي في ظلال الأسر؟ أم أن الحقيقة طُمست عمدًا خوفًا من صوتٍ كان أقوى من الرصاص؟

أدانت كنائس الشرق الأوسط حادثة الاختطاف، ووجهت نداءات متكررة للمجتمع الدولي للتدخل والكشف عن مصير المطرانيين، كما صدرت عدة بيانات من الفاتيكان والأمم المتحدة وعدد من منظمات حقوق الإنسان، تدعو إلى كشف الحقيقة لكن دون جدوى، صمت دولي مريب رافق القضية.

اليوم لم تعد قصة الاختطاف مجرد خبر في أرشيف الصحف، بل رمزًا لمعاناة مستمرة وجريمة بحق العمل الإنساني، ولهذا أطالب بإعادة فتح الملف، لا من أجل الماضي فقط، بل من أجل مستقبل لا يُختطف فيه صوت العقل من جديد، ولعل في هذا النداء صحوة ضمير تأخرت كثيرًا، ولكنها إن جاءت فلن تكون عبثًا.

 

 

 

 

أهدي هذه القصيدة لنيافته باللغة العربية

أين أنت يا وجه السلام؟   

 

يا صوت حب لا يُلام

يا من حملت النور دربًا    

 

وسط ليل فيه ظلام

غِبت ولم تغب الحكاية 

 

سكنت في نبض الرعاية

أيقونة في قلب شعب

 

يسأل الله ما النهاية

أين أنت يا وجه السلام؟  

 

يا صوت حب لا يُلام

حلب المفجوعة   

 

مدينة الأوجاع

في كل زاوية قصة ضياع

 

مطران حبيس والقلب كسير

والأرض تُنادي أين النصير؟

 

صمت المآذن وبُكاء الكنائس 

حزن عميق يلف النفوس

 

يا رب العباد يا سامع الدعاء 

أعد لنا شيخنا

 

وأضئ لنا سماءنا

أين أنت يا وجه السلام؟  

 

يا صوت حب لا يُلام

أهدي هذه القصيدة لنيافته باللغة السريانية

ܡܫܰܕܪܳܐ ܐ̱ܢܳܐ ܗܳܢܳܐ ܡܺܐܡܪܳܐ 

 

ܡܶܢ ܐܰܬܼܪܳܐ ܕܡܶܨܪ̈ܶܝܢ ܛܳܒܼܬܼܳܐ

ܠܚܰܣܝܳܐ ܚܰܢܰܐ ܕܗܽܘ ܚܛܺܝܦܳܐ 

 

ܒܙܰܒܢܳܐ ܕܣܰܝܦܳܐ ܘܰܚܛܺܝܬܳܐ

ܡܶܢ ܪܰܕܳܝܬܶܗ ܒܣܽܘܪܺܝܰܐ

 

ܒܪܰܡܫܳܐ ܚܰܕܼ ܒܝܰܪܚܳܐ ܕܢܺܝܣܳܢ

ܟܳܗܢܳܐ ܪܚܺܝܡܳܐ ܘܡܰܠܦܳܢܳܐ  

 

ܒܥܺܕܬܶܗ ܣܰܓܺܝ ܡܫܰܒܠܳܢܳܐ

ܐܰܒܳܐ ܙܰܗܝܳܐ ܡܝܰܩܪܳܢܳܐ

 

ܠܥܰܡܳܐ ܕܺܝܠܶܗ ܡܫܰܡܫܳܢܳܐ

ܒܽܐܘܪܚܳܐ ܕܡܳܪܝܳܐ ܡܗܰܠܟܼܳܢܳܐ

 

ܘܰܠܨܰܠܘ̈ܳܬܼܳܐ ܡܩܺܝܡܳܢܳܐ

ܫܰܡܶܫ ܐܽܘܡܬܼܳܐ ܘܬܰܘܕܺܝܬܼܳܐ

 

ܒܥܰܡ̈ܠܶܐ ܛܥܺܝ̈ܡܶܐ ܘܛܳܒ̈ܳܬܼܳܐ

ܘܰܒܫܽܘܠܳܡܳܐ ܒܳܥܽܘܬܼܳܐ  

 

ܡܶܛܽܠ ܕܢܶܗܦܽܘܟܼ ܒܰܫܠܳܡܳܐ

 

بقلم  د/ هند فتحي

دكتور اللغة السريانية وآدابها . مصر

13/4/2025

ܒܝܰܕܼ ܕ. ܗܶܢܕ ܦܰܬܚܺܝ

ܕܶܘܟܬܶܘܪܰܐ ܕܠܶܫܳܢܳܐ ܣܽܘܪܝܳܝܳܐ ܘܡܰܪܕܽܘܬ̣ܶܗ. ܡܶܨܪ̈ܶܝܢ ܝܓ . ܕ . ܒܟܗ

لا تعليق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *